علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

139

نسمات الأسحار

لما كنت في المكتب ؟ قال : نعم ثم قال : كنت صغيرا في بلدنا فخرجت إلى السواد يوم عرفة وتبعت بقرة حراثة فالتفتت إلىّ البقرة وقالت : يا عبد القادر ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فرجعت فزعا إلى دارنا وصعدت السطح فرأيت الناس واقفين بعرفات فجئت إلى أمي فقلت لها : هبينى للّه تعالى وأذني لي في المسير إلى بغداد أشتغل بالعلم وأزور الصالحين فسألتني عن سببه فأخبرتها فبكت وأخرجت ثمانين دينارا من تركة أبى ، فتركت لأخي أربعين دينارا وخاطت في دلقى أربعين دينارا ، وأذنت لي في المسير وعاهدتنى على الصدق في كل أحوالي وخرجت مودعة لي وقالت : يا ولدى اذهب فقد خرجت عنك اللّه فهذا وجه لا أراه إلى يوم القيامة وسرت مع قافلة صغيرة تطلب بغداد فلما جاوزنا همدان خرج علينا ستون فارسا وأخذوا القافلة ، ولم يتعرض لي أحد منهم فاجتاز بي أحدهم وقال لي : يا صغير ما معك قلت : أربعين دينارا ، فقال : وأين هي ؟ قلت : مخيطة في دلقى تحت إبطى ، فظن أنى أستهزئ به فانصرف ، ومر بي آخر فسألني سؤاله فأجبته بجوابه فالتقيا عند مقدمهم وأخبراه بما سمعا فقال : على به فأتى بي إليه ، وإذا هم على تل يقتسمون الأموال فسألني سؤالهما ، فأجبته كذلك ففتقوا دلقى فوجد الذهب ، فقال : ما حملك على هذا ؟ قلت : إن أمي عاهدتنى على الصدق وأنا لا أخون عهدها فبكى المقدم وقال : أنت لم تخن عهد أمك وأنا لي كذا وكذا سنة أخون عهد ربى فتاب على يدي ، فقالوا له أصحابه : كنت مقدما في الشر فكن مقدما في التوبة فتابوا عن آخرهم وردوا على القافلة المال . فهم أول من تاب على يدي . والآثار في ذلك كثيرة جدا وإطاعة الوالدين وبرهما من أفضل القربات كيف لا والبر مأخوذ من اسمه جل جلاله البر فمن آداب من عرف البر أن يتخلق بالبر لينال من البر البر فإن من كان اللّه تعالى بارا به عصم عن المخالفات نفسه وأدام بفنون اللطائف أنسه وطيب فؤاده وحصل مراده ووفر طريقه وجعل التوفيق زاده وجعل قصده سداده ومبتغاه رشاده وأغناه عن أشكاله بأفضاله وحماه عن مخالفته بيمن إقباله ، فهو غنى بلا مال وعزيز بلا أشكال ، ملك لا يستظهر بجيش وعدد ، غنى لا يتمول بمال وعدد تشهده في زي مسكين وهو عند اللّه من المقربين متعزز مكين .